محمد الغزالي
337
فقه السيرة ( الغزالي )
بشؤونها التجارية ، فلم تجتهد في ضمّ أحلاف لها ، في الوقت الذي اتسع فيه نشاط المسلمين الثقافي والسياسي والعسكري ، ونجحت دعايتهم في تألف قبائل غفيرة ، وإدخالها في الإسلام . وكثيرون من المؤرّخين يعدّ صلح الحديبية فتحا ، بل إنّ الزهري يقول فيه : ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ، إنما كان القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة ، ووضعت الحرب أوزارها ، وأمن الناس بعضهم بعضا ، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، لم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تيناك السنتين - بعد الحديبية - مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر . قال ابن هشام : والدليل على قول الزهري أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمئة ، ثم خرج عام فتح مكة - بعد ذلك بسنتين - في عشرة آلاف . أما المسلمون المعذّبون في مكة ، فقد فرّ منهم أبو بصير عبيد بن أسيد ، وهاجر إلى المدينة يبغي المقام فيها مع المسلمين ، فأرسلت قريش وراءه اثنين من رجالها يرجعان به إليها تنفيذا لنصوص المعاهدة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا بصير ! إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ! وإنّ اللّه جاعل لك ومن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، فانطلق إلى قومك » . وحزن أبو بصير ، وقال : يا رسول اللّه ! أتردني إلى المشركين ليفتنونني في ديني ؟ فلم يزد النبي عن تكرار رجائه في الفرج القريب . ثم أرسل أبا بصير مع القرشيّين ، ليعودوا جميعا إلى مكة « 1 » . ورفض أبو بصير أن يستسلم لهذا المصير ، فاحتال أثناء الطريق على سيف أحد الحارسين ، وقتله به ، ففرّ الاخر مذعورا ، وقفل راجعا إلى المدينة يخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما وقع لصاحبه ، وإذا أبو بصير يطلع متوشّحا السيف ، يقول : يا رسول اللّه ! وفّت ذمتك ، وأدّى اللّه عنك ، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي .
--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق بدون إسناد ، وعنه ابن هشام : 2 / 223 ؛ وقد أخرجه البخاري مختصرا على قوله : فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا : « العهد الذي جعلت لنا » ، فدفعه إلى الرجلين .